القوى المضادة للتغيير

إن أية عملية تطوير تتضمن الانتقال من أسلوب معين في أداء العمل إلى أسلوب آخر، وقد تكون مجرّد تعديلات بسيطة، أو تتضمن تغييرات جذرية. وقد يتقبل الناس التغيرات في حياتهم بمقادير مختلفة، فترى البعض مشرئباً لأي فكرة جديدة يمكنه تجريبها، والبعض الآخر يفضل ما قد اعتاد عليه بعد أن اختاره عبر تجارب عديدة قام بها في السابق. وهذا ينطبق على العادات اليومية التي نمارسها في حياتنا، وكذلك على أساليب إنجاز العمل، وأية تصرفات أخرى.

و هناك ما يدل على وجود نتيجة نهائية للصراع بين محبي التغيير ومحبي الثبات، حيث لا يخفى على أحد أنه لولا التطلع إلى الجديد لما وصلت الحضارة البشرية لما هي عليه اليوم من تقنيات مختلفة (بعضها جيد وبعضها سيئ، بلا شك)، وبالتالي فإن التغيير هو الذي يربح في النهاية، و ظنّي أن السبب (أو الفضل) في ذلك يعود للشباب الذين تغمرهم حماسة التغيير، حيث أن الإنسان يميل للتمسك بما تعود عليه أكثر بتقدم عمره. وبالتالي فإن فئة الشباب هي من عليك استمالته أولاً إذا أردت أن تنجح في إجراء التغيير على مستوى عام.

ولكن التمسك بالقديم لا يعود فقط لأسباب نفسية بشرية، حيث أن هنالك عوامل إدارية تنظيمية و اجتماعية تساهم في مقاومة التغيير و إبطائه أو إلغائه. وقد تسني لي مرة حضور محاضرة تتحدث في هذا الشأن، وقد أمكنني من خلال هذه المحاضرة استخلاص النقاط التالية التي تشكل أسباب مقاومة التغيير:

وتقسم هذه الأسباب إلى فرعين أساسيين: أسباب تنظيمية، وأسباب فردية.
فإن أردت أن تحدث تغييراً، فعليك أولاً إجراء مراجعة لهذه النقاط التي قد تعينك في توقع العقبات التي ستواجهها.

فمثلاً، من خلال عملي في مؤسسة يسران لتطوير برامج ونظم لإدارة الأعمال من خلال الكمبيوتر، تواجهني على الدوام مسألة إقناع المستخدمين الجدد لهذه الأنظمة بمدى فعاليتها ومقدار الفائدة التي يمكن أن يحققها استخدام برنامج معين، وكيف أن بذل قليل من الجهد للانتقال إلى النظام الجديد يؤدي عملياً إلى توفير مقدار أكبر من الجهد الذي يبذل عادة في أسلوب العمل القديم.

فما هي أسباب مقاومة التغيير والتطوير؟

الأسباب التنظيمية:

1) وجود محاولات سابقة فاشلة.
سواء كانت هذه محاولات من قبل جهة أخرى، أو محاولات لنفس الجهة، فالفشل السابق قد يؤدي إلى الاعتقاد بأن التطوير هو شيء خاطئ، بدلاً من بحث أسباب الفشل الحقيقية والقضاء عليها أو تجنبها.

2) عدم وضوح النتائج.
والجهل غالباً ما يؤدي إلى الخوف، ومن ثم يقوم الخوف بمحاربة السبب الذي أدى إلى حدوثه. ولتجنب عدم وضوح النتائج، يجب أن يتم التطوير عبر دراسة جدوى توضح فيها أسباب التطوير والنتائج التي يرجى تحقيقها منه.

3) تكلفة التطوير العالية.
بالتأكيد، لا يوجد تغيير بدون تكلفة، ولكن عند عمل دراسة جدوى واقعية، يمكن اكتشاف ما إذا كان التطوير سيعوّض عن كلفته بتحسين مردود العمل أم لا.

4) الخوف من الفشل.
كما قلت سابقا، فالخوف يقوم بمحاربة السبب الذي أدى إلى حدوثه، لذلك تجب هنا محاربة الخوف بالمعرفة عبر استبيان أهداف التطوير، والمراحل الواجب اتباعها من أجل نجاحه، وعندئذ يمكن القول أن الفشل، إن حصل، سيكون سببه عدم إجراء التطوير بشكل صحيح، وليس التطوير بحد ذاته.

5) تجاهل تقاليد وأنماط معايير العمل.
بالتأكيد لا أحد يريد أن يستثمر جهداً ووقتاً ومالاً في محاولة لتطوير عمله، ثم يرى أنه لم يعد بالإمكان إجراء العمل التقليدي وفق النظام الجديد، مما يعني إنه سيهمل هذا النظام ويعود إلى سابق عهده بعد أن خسر الجهد والمال والوقت الذين استثمرهم للتطوير. وهذا سيعود به في النهاية إلى النقطة الأولى (وجود محاولات سابقة فاشلة). يمكن تجنب هذه الحالة عبر انتقاء الحلول التطويرية المنجزة بعناية والتي تلائم البنية الإدارية الجاري تطويرها.

الأسباب الفردية:

1) المقاومة الطبيعية (نتيجة العادة).
وهذا ما كنت أتحدث عنه في المقدمة أعلاه.

2) القناعات الشخصية المضادة.
فمثلاً، بعض الناس لا يحبون العمل على برامج كمبيوتر مصممة بلغة جافا (Java)؛ فإذا كان التطوير يتعلق باستعمل برنامج مصمم بالجافا، فسيؤدي هذا إلى تكوين قناعة خاطئة على أن التطوير لن يكون ناجحاً لكونه مبني على على لغة البرمجة هذه.

3) الجهل بأهمية التغيير.
طبعاً، لا داعي للقيام بجهد إضافي لإجراء تغيير إن لم يكن هدف هذا التغيير معروفاً.

4) المصالح الشخصية المضادة.
بشكل ما، قد يؤدي التطوير إلى زوال مصدر فائدة مباشر أو غير مباشر لأحد الأشخاص، مما يجعله معارضاً للتطوير.

5) عدم الاقتناع بالقائمين على التغيير.
وهذا يعني عدم الثقة بأن التطوير سيكون ناجحاً، إما بسبب أن الجهة المسؤولة على تنفيذ النظام الجديد غير كفؤة بشكل كافي لتنفيذ نظام جديد مفيد (النقطة 5 أعلاه)، أو أن الإدارة التي اختارت النظام الجديد لم تحسن الاختيار.

6) ارتباط التغيير بأعباء وضغوط عمل كبيرة.
بالنسبة لتطوير العمل عبر اعتماد برنامج كمبيوتر جديد، قد يعني هذا ضرورة نقل البيانات القديمة (في الملفات الورقية) يدوياً إلى البرنامج الجديد، وهذا قد يشكل عبءً كبيراً، مما يدفع بالشخص المتضرر إلى محاربة عملية التطوير.

7) ارتباط التغيير بتهديدات وظيفية.
كاستخدام البريد الإلكتروني بدلاً من المراسلات المادية (الأوراق والصور المطبوعة وأشرطة الفيديو)، مما يعني أن موظف نقل البريد الخاص بالشركة المعنية أصبح بلا فائدة وقد يخسر وظيفته من جراء هذا التطوير.

و في الختام:
بالطبع توجد هناك أسباب أخرى لمقاومة التغيير أو التطوير، وقد يمكن إدراجها بشكل أو بآخر ضمن إحدى هذه النقاط المذكورة. وفي كل الأحوال، أحب أن تشاركوني آراءكم وملاحظاتكم حول هذا الموضوع.

Advertisements